يمكن للذكاء الاصطناعي التعرّف على الصور، واقتراح مقاطع الفيديو، وترجمة اللغات، واكتشاف المعاملات المشبوهة، والإجابة عن الأسئلة، وإنشاء النصوص أو الصور. ولكن كيف يقوم الذكاء الاصطناعي بهذه المهام فعلياً؟
بشكل مبسط، يعمل الذكاء الاصطناعي باستخدام البيانات والخوارزميات والنماذج الرياضية لاكتشاف الأنماط وإنتاج التنبؤات أو التصنيفات أو القرارات أو المحتوى الجديد.
وبدلاً من برمجة كل موقف محتمل بشكل يدوي، تستطيع العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تعلم الأنماط من الأمثلة. وقد جعل التعلم الآلي والتعلم العميق هذه الطريقة أكثر قوة (Russell and Norvig, 2021).
يشرح هذا الدليل كيفية عمل الذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى معرفة مسبقة بالبرمجة أو الرياضيات المتقدمة.
ماذا يعني أن الذكاء الاصطناعي «يتعلم»؟
لا يتعلم الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها التي يتعلم بها الإنسان. بدلاً من ذلك، يقوم بتعديل مجموعة من المعاملات الرياضية بناءً على الأنماط الموجودة في البيانات.
على سبيل المثال، يمكن تدريب نظام للتعرف على القطط والكلاب باستخدام آلاف الصور المصنفة.
يقوم النموذج بتحليل هذه الأمثلة ويتعلم تدريجياً الأنماط التي تساعده على التمييز بين الفئتين.
وبعد التدريب، يستطيع تحليل صورة جديدة وتقدير ما إذا كانت تحتوي على قطة أو كلب.
وهذا مثال بسيط على التعلم الآلي.
دور البيانات في الذكاء الاصطناعي
تُعد البيانات من أهم عناصر أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
يمكن للذكاء الاصطناعي التعلم من أنواع مختلفة من البيانات، مثل:
- النصوص
- الصور
- الصوت
- الفيديو
- الأرقام
- بيانات أجهزة الاستشعار
- نشاط مواقع الإنترنت
- المعاملات التجارية
ولا تقل جودة البيانات أهمية عن كميتها.
إذا كانت بيانات التدريب تحتوي على أخطاء أو معلومات مفقودة أو تحيزات واضحة، فقد يتعلم النموذج أنماطاً مضللة.
ويُعبّر أحياناً عن هذه الفكرة بالمبدأ المعروف باسم “Garbage In, Garbage Out”، أي أن البيانات السيئة قد تؤدي إلى نتائج سيئة.
لذلك، قد يقوم المطورون بتنظيف البيانات وإزالة التكرارات ومعالجة القيم المفقودة وتقسيم البيانات قبل تدريب النموذج.
الخوارزميات ونماذج الذكاء الاصطناعي
الخوارزمية هي مجموعة من التعليمات أو العمليات الرياضية المستخدمة لحل مشكلة معينة.
أما النموذج فهو عادةً الناتج الذي يتم الحصول عليه بعد أن تتعلم الخوارزمية من البيانات.
على سبيل المثال، يمكن لخوارزمية تعلم آلي تحليل أسعار العقارات السابقة مع معلومات مثل الموقع والمساحة وعدد الغرف وعمر العقار.
أثناء التدريب، تبحث الخوارزمية عن العلاقات بين هذه المتغيرات.
بعد ذلك، يستطيع النموذج الناتج تقدير قيمة عقار جديد.
وتحتاج المشكلات المختلفة إلى خوارزميات ونماذج مختلفة، فلا توجد خوارزمية واحدة تعد الأفضل لجميع المهام.
شرح التعلم الآلي ببساطة
يُعد التعلم الآلي أحد المجالات الرئيسية للذكاء الاصطناعي.
بدلاً من قيام المبرمج بكتابة جميع القواعد بشكل يدوي، تحاول أنظمة التعلم الآلي اكتشاف الأنماط من البيانات.
ومن أشهر طرق التعلم الآلي:
التعلم الخاضع للإشراف (Supervised Learning): يتعلم النموذج من أمثلة تحتوي على إجابات معروفة، مثل الرسائل المصنفة إلى «مزعجة» و«غير مزعجة».
التعلم غير الخاضع للإشراف (Unsupervised Learning): يبحث النظام عن الأنماط أو المجموعات الموجودة في البيانات دون تصنيفات محددة مسبقاً.
التعلم المعزز (Reinforcement Learning): يتعلم الوكيل من خلال التفاعل مع بيئة والحصول على مكافآت أو عقوبات بناءً على أفعاله.
ويتم اختيار الأسلوب المناسب حسب نوع المشكلة والبيانات المتوفرة.
كيف تعمل الشبكات العصبية؟
الشبكات العصبية هي نماذج حسابية تتكون من وحدات معالجة مترابطة تسمى عادةً الخلايا العصبية الاصطناعية.
تتكون الشبكة العصبية عادةً من:
- طبقة إدخال
- طبقة أو عدة طبقات مخفية
- طبقة إخراج
تدخل المعلومات من خلال طبقة الإدخال ويتم تحويلها أثناء انتقالها عبر الشبكة.
وتحتوي الاتصالات على قيم رقمية تسمى الأوزان (Weights)، ويتم تعديل هذه الأوزان أثناء التدريب بهدف تقليل الأخطاء.
ويستخدم التعلم العميق شبكات عصبية تحتوي على طبقات متعددة، وقد ساهم في تطورات مهمة في الرؤية الحاسوبية ومعالجة الصوت واللغة الطبيعية (LeCun, Bengio and Hinton, 2015; Goodfellow, Bengio and Courville, 2016).
تدريب نموذج الذكاء الاصطناعي واختباره وتحسينه
تمر عملية بناء نموذج ذكاء اصطناعي عادةً بعدة مراحل.
التدريب: يستقبل النموذج أمثلة ويقوم بتعديل المعاملات الداخلية بهدف تقليل الأخطاء.
التحقق: يمكن استخدام مجموعة بيانات منفصلة أثناء التطوير لمقارنة إعدادات مختلفة.
الاختبار: يتم تقييم النموذج باستخدام بيانات لم يستخدمها أثناء التدريب.
وهذا أمر مهم لأن النموذج قد يعمل بشكل ممتاز على بيانات التدريب ولكنه يفشل مع أمثلة جديدة. وتُعرف هذه المشكلة باسم الإفراط في التكيف (Overfitting).
ويمكن تحسين النموذج من خلال تعديل الإعدادات أو تحسين البيانات أو تغيير الخوارزمية أو بنية النموذج.
كيف يقوم الذكاء الاصطناعي بإجراء التنبؤ؟
بعد التدريب، يمكن استخدام النموذج في مرحلة تسمى الاستدلال (Inference)، حيث يعالج معلومات جديدة ويصدر نتيجة.
على سبيل المثال، يمكن لبنك استخدام نموذج ذكاء اصطناعي لاكتشاف المعاملات المالية المشبوهة.
قد يحلل النموذج معلومات مثل:
- قيمة المعاملة
- الوقت
- الموقع
- الجهة المستفيدة
- سلوك العميل السابق
- معلومات الجهاز
بعد ذلك، قد ينتج احتمالاً يشير إلى أن المعاملة مشبوهة.
وفي العديد من التطبيقات، يساعد الذكاء الاصطناعي الإنسان على اتخاذ القرار بدلاً من اتخاذ جميع القرارات بنفسه.
كيف ينشئ الذكاء الاصطناعي التوليدي المحتوى؟
يهدف الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إنشاء محتوى جديد مثل:
- النصوص
- الصور
- الصوت
- الفيديو
- الأكواد البرمجية
يتم تدريب نماذج اللغة الكبيرة على كميات كبيرة من النصوص لتتعلم العلاقات الإحصائية بين أجزاء اللغة.
عند إنشاء نص، يقوم النموذج بتحليل السياق ثم يتنبأ بالرموز أو الوحدات اللغوية المناسبة التي يمكن أن تأتي بعد ذلك.
تعتمد العديد من نماذج اللغة الحديثة على بنية Transformer التي قدمها Vaswani et al. (2017)، والتي تستخدم آليات الانتباه لتحليل العلاقات بين أجزاء المعلومات.
لكن قدرة النظام على إنشاء لغة مقنعة لا تعني بالضرورة أنه يفهم العالم بالطريقة نفسها التي يفهم بها الإنسان.
مثال بسيط من العالم الحقيقي
يمكن توضيح العملية من خلال نظام اكتشاف البريد الإلكتروني المزعج.
يتم أولاً جمع رسائل بريد إلكتروني سابقة وتصنيفها إلى رسائل مزعجة وغير مزعجة.
بعد إعداد البيانات، يتم تدريب نموذج التعلم الآلي على الأنماط المرتبطة بكل نوع.
ثم يتم اختبار النموذج باستخدام رسائل لم يشاهدها أثناء التدريب.
عند وصول رسالة جديدة، يستطيع النموذج تقدير احتمال أن تكون الرسالة مزعجة.
ويتم استخدام الفكرة نفسها، وهي التعلم من الأمثلة السابقة وتطبيق الأنماط المتعلمة على معلومات جديدة، في العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
حدود الذكاء الاصطناعي
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مفيداً للغاية، لكنه يمتلك أيضاً مجموعة من القيود.
جودة البيانات: قد تؤدي البيانات السيئة إلى تنبؤات غير دقيقة.
التحيز: قد تتعلم النماذج التحيزات الموجودة في بيانات التدريب.
الهلوسة: قد ينشئ الذكاء الاصطناعي التوليدي معلومات تبدو صحيحة ولكنها غير دقيقة.
محدودية السياق: قد لا يمتلك النموذج جميع المعلومات المطلوبة.
قابلية التفسير: قد يكون من الصعب تفسير بعض النماذج المعقدة.
الأمن والخصوصية: قد تتعامل الأنظمة مع معلومات حساسة تحتاج إلى حماية مناسبة.
تكلفة الحوسبة: قد يتطلب تدريب النماذج الكبيرة موارد حاسوبية كبيرة.
ولهذا يجب مراجعة المعلومات التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بعناية، خصوصاً عند اتخاذ قرارات مهمة.
أفكار ختامية
يعمل الذكاء الاصطناعي من خلال الجمع بين البيانات والخوارزميات والنماذج الرياضية لاكتشاف الأنماط وإنتاج التنبؤات أو التصنيفات أو القرارات أو المحتوى الجديد.
يسمح التعلم الآلي للأنظمة بالتعلم من الأمثلة، بينما تساعد الشبكات العصبية والتعلم العميق على اكتشاف أنماط أكثر تعقيداً.
ويقوم الذكاء الاصطناعي التوليدي بتوسيع هذه الأفكار من خلال تعلم الأنماط الموجودة في النصوص والصور وأنواع أخرى من البيانات لإنشاء محتوى جديد.
إن فهم هذه المفاهيم يوفر أساساً مهماً لدراسة التعلم الآلي والتعلم العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج اللغة الكبيرة.
في AIWiseUp، سنواصل شرح الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية وسهلة الفهم.
Wise up to AI. Learn it. Use it. Grow with it.
المراجع وقراءات إضافية
Russell, S.J. and Norvig, P. (2021) Artificial Intelligence: A Modern Approach. 4th edn. Pearson.
Artificial Intelligence: A Modern Approach – Pearson
Goodfellow, I., Bengio, Y. and Courville, A. (2016) Deep Learning. MIT Press.
Deep Learning – Official Book Website
LeCun, Y., Bengio, Y. and Hinton, G. (2015) ‘Deep learning’, Nature, 521(7553), pp. 436–444.
Vaswani, A. et al. (2017) ‘Attention Is All You Need’, Advances in Neural Information Processing Systems, 30, pp. 5998–6008.